عبد الوهاب الشعراني
497
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
لستم علماء ، وإنما أنتم مقلدون بالعلم يسمع أحدكم المسألة ويحكيها فقط ، ولو أنكم كنتم تعملون بعلمكم لتجرعتم الغصص فإن العلم كله محثكم على التورع في المأكل والملبس حتى لا يجد أحدكم رغيفا يأكله ولا خرقة يواري بها عورته ، واللّه لقد لبست الحصير كذا كذا شهرا حتى وجدت ثوبا من حلال . وكان الربيع بن خثيم يقول : كيف يرائي العالم بما يعلم مع علمه بأن كل ما لا يبتغي به وجه اللّه يضمحل ، وكان إذا دخل عليه أمير على غفلة وهو يدرس العلم يغتم لذلك ، وكان إذا بلغه أن أحدا من الأمراء عازم على زيارته لا يدرس علما ذلك اليوم خوفا أن يراه ذلك الأمير وهو في محفل درسه العظيم . وكان يقول : من علامة المخلص في علمه أن ينقبض في نفسه إذا مدحه الأكابر ويتأثر كما يتأثر ممن اطلع عليه وهو يزني . وكان الحسن البصري يقول : يقبح على طالب العلم أن يشبع من الحلال في هذا الزمان فكيف بمن يشبع من الحرام ، واللّه إني أود أن الأكلة تصير في بطني كالآجرة فتكفيني حتى أموت فإنه بلغنا أنها تمكث في الماء ثلاثمائة عام وأكثر . وكان يقول ورع العلماء إنما يكون في الشبهات وإنما ورعهم اليوم عن المعاصي الظاهرة . وكان يقول بلغنا أنه يأتي آخر الزمان رجال يتعلمون العلم لغير اللّه كي لا يضيع ، ثم يكون عليهم تبعته يوم القيامة ، فليفتش الإنسان نفسه . وكان بكر بن عبد اللّه المزني رضي اللّه عنه يقول : علامة المرائي بعلمه أن يرغب الناس في العلم ليقرؤوا عليه ، ثم إنه إذا شاوره أحد في القراءة على غيره لا يرغبه كل ذلك الترغيب . وكان عبد اللّه بن المبارك رضي اللّه عنه يقول : قد غلب على القراء في هذا الزمان أكل الحرام والشبهات حتى أنهم غرقوا في شهوة بطونهم وفرجهم واتخذوا علمهم شبكة يصطادون بها الدنيا فإياكم ومجالستهم . وكان يقول لولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس ولكنهم صاروا يحترفون بعلمهم ويصطادون به الدنيا فهانوا في ملكوت السماوات والأرض . وكان يقول من عقل الرجل أن لا يطلب الزيادة من العلم إلا إذا عمل بما علم فيتعلم العلم كي يعمل به إذ العلم إنما يطلب للعمل . وكان الشعبي رضي اللّه عنه يقول : اطلبوا العلم وأنتم تبكون ، فإن أحدكم إنما يريد به زيادة إقامة الحجة على نفسه يوم القيامة . ولما ترك بشر الحافي الجلوس لإملاء الحديث قالوا له : ماذا تقول لربك إذا قال لك يوم القيامة لم لا تعلم عبادي العلم ؟ فقال أقول له يا رب قد أمرتني فيه بالإخلاص ولم أجد في نفسي إخلاصا . وكان سفيان الثوري يقول : إذا رأيتم طالب العلم يخلط في مطعمه ويأكل كل ما وجد فلا تعلموه العلم فإن من لا يعمل بعلمه شبيه بشجر الحنظل كلما ازداد ريا بالماء